المترو برلمان أنساني صامت يجتمع كل يوم آلاف المرات
تتأهب دبي مدينة الخليج الباسقة إلى مرحلة جديدة من تشكلها العمراني والحراكي خلال الأشهر المقبلة مع بداية تشغيل خط المترو الأول.
وإن كان همّ القائمين على المشروع أن يكون المنتفعون منه خصوصا من القاطنين والزوار هو تحليل قدرة المشروع على استيعاب أزمة الاختناقات المرورية التي تتزايد بشكل لافت نتيجة التوسع والتنمية المتصاعدة التي تشهدها دبي، والحلول الكثيرة والعملية التي تقوم بها الحكومة للسيطرة على هذه الظاهرة التي باتت في متناول اليد بعد جملة الحلول المطروحة كأفتتاح المزيد من الجسور والطرقات الجديدة وتطوير شبكة الباصات بالمزيد من السيارات الحديثة التي ستدفع فئات كثيرة من المقيمين والمواطنين إلى التخلي عن سياراتهم الفارهة والتحول إلى استخدام المواصلات العامة.
هذا الجدل القائم والآخذ في التصاعد مع اقتراب قرع جرس رحلة المترو الأولى في دبي خلال الاشهر المقبلة هو الجانب العملي والأهم من الموضوع ، لكن الجانب الثقافي هو الأبرز وهو الجانب القادر على إنجاح التجربة وتعزيزها ولربما تعميمها في مدن أخرى في منطقتنا.
- إعادة صياغة ثقافة:
مترو دبي، ليس مشروع مواصلات عامة فحسب، بل هو فرصة إبداعية وثقافية بالدرجة الأولى، فهذه القاطرات الحديثة التي ستخترق عمق المدينة عبر خطوطها، تؤسس إلى حالة تفاعل واشتباك ثقافي وإنساني من نوع جديد ، وهي أيضا فرصة نادرة هدفها إعادة صياغة تفاصيل الثقافة اليومية وطمر الممارسات السلبية الناجمة عن ضريبة التكنولوجيا المتطورة، التي غزت العصر وأصبحت المسبب الأول وفق أحصائيات طبية مفزعة لامراض كالسمنة والسكري.
أن هذه القاطرات التي يتألف منها المترو توحد الحيز والوجهات هي فرصة لتقارب الوجوه والجنسيات التي تعيش على هذه الارض الطيبة والتي كانت ومازالت مضربا للمثل بتعددها وغنى تنوعها. أن الخروج من هالة مكيفات السيارات إلى أجواء محطات المترو و عالم القاطرات السريعة الموفرة للوقت والمخلصة من الازدحام والتوتر هو خروج من افكار نمطية وجاهزة منقولة عن الآخر إلى أفكار تفاعلية وناجمة عن الاحتكاك والتجريب.
المترو مساحة للإبداع
هذا التفاعل الانساني المنشود الذي سيقوم بتأمينه المترو قريبا للناس والمقيمين في دبي ، هو تفاعل مع الفكرة والرؤية التي يحملها المكان المشرئب بأنجازاته والواثق بمشروعه الفاتن ، من كل الجوانب التي تبدو في ظاهرها جوانب عملية لكنها لا تخلو من التفاؤل والشجاعة ، وهنا يأتي دور المبدع المشتبك والملتحم مع واقعه ليعيد تشكيله وصياغته عبر مشروعه الثقافي.
وليس هناك اقدر من الكاتب (بالمعنى الشمولي لكاتب المنتج الابداعي بشتى صنوفه) من أن يكون عنوان وهوية المكان وأن يخط أحتفاليته الخاصة لتقتات الاجيال والمشاريع المقبلة على ترانيمها. ولذلك في كل زمان ومكان كان المبدع سواء الشاعر أو الروائي أو القاص أو الموسيقي أو المسرحي هو بمثابة« لص أدبي» يغرف وينهل من يوميات الحياة.
فنجيب محفوظ ما كان ليكون لولا مقاهيه وزقاقه واشتباكه مع أولاد «الحتة»، وأورهان باموق ما كان له أن يخط كتابه الأسود من دون احتكاك قدميه مع أرصفة وأزقة مدينة اسطنبول، وغابرييل غارسيا ماركيز ما كانت لواقعيته السحرية أن تتفتق من دون التصاقه بواقعه اللاتيني وسنين تسكعه البوهيمي في باريس. لن نكثر من الأمثلة لكننا لا بد أن نتفق على أن المبدع والمثقف الإماراتي والخليجي عموماً شبه محروم من أماكن وباحات تلقائية وعفوية يشتبك فيها بواقعية مع محيطه ومع الآخر الذي بات يشكل جزءاً طاغياً من محيطه.
المترو يرسم إيقاع المدينة
المعروف أن المترو في العديد من الدول الأوروبية والصناعية المتطورة بات واحدا من معالمها الحضارية وبات لكل مدينة تقاليدها وعاداتها التي ترسم ايقاع حركتها لان المترو أصبح جزءا من حراك مواطني هذه المدينة الهائمين إلى أماكن عملهم ووجهاتهم المتعددة في أكثر من مئة مدينة صناعية وتجارية حول العالم (وفقاً لصحيفة «مترو» العالمية).
أنه الموعد الصباحي والمسائي الذي يتفق عليه كافة العابرين لشبكات المترو، والحريصين على بلوغه كحرص العاشق على لقاء حبيبته، ومن ثم يتجمهرون في المحطات ليتقاسموا حيزا من القاطرات التي تضيق في ساعات الذروة إلى حد الإختناق.
بينما ينهمك كل راكب بترتيب أولوياته وتجاهله للآخرين الذين يخترقون هالة الطاقة المحيطة بجسده، ويتفنن كل أنسان بالولوج إلى عالمه سواء من خلال تصفح الجرائد أو الاستماع للموسيقى عبر جهازه الشخصي أو العبث بهاتفه النقال، وكل هذه الممارسات التي تبدو ملحة ومحورية في الظاهر هي في جوهرها إصرار على الفردانية، السمة الرئيسة لقاطني ومحترفي مجتمعات المدن الكبرى.
حيز واحد ووجهات مختلفة
الحراك «المدني» أمام محطة المترو في مدينة نيويورك على سبيل المثال يحتاج إلى وقفة ، لان زملاء التنقل يتقاسمون القاطرة عينها والوجهة ذاتها بمعناها المكاني لكنهم يحملون في اذهانهم وجهات ومآرب مغايرة، فهناك راقصة تقصد وسط منهاتن لتأدية دورها في عمل مسرحي غنائي في «برود واي»، ومتقاعد ضجر يقصد «هايد بارك» ليتبع ذلك سماعه لحفل سيمفوني في قاعة «ألبرت» الملكية اللندنية، وسائح مشدوه لن يتأفف من الإصطفاف ساعات طويلة انتظارا لدخول متحف اللوفر.
وبالطبع لا تقتصر الوجهات على أماكن الفن والثقافة، فهناك باحث اكاديمي سينزل عند محطة جامعة كولومبيا، ومحلل أو مضارب سيتوقف عند محطة «وال ستريت»، وعامل مقهى سينزل عند محطة «بورت آثورتي» ليستقل الحافلة إلى نيوجيرسي حيث تكلفة إيجار مسكنه لا تحاكي جنون المساكن النيوركية، وعازف ساكسفون متسكع أنهى ساعات النفخ الطويلة في «سنترال بارك» وبطريقه إلى «هارلم» الداكنة بحزنها.
متحف بشري متنقل
الجميل في هذه القاطرات وتحديداً في مدينة ينصهر فيها هذا الخليط البشري كنيويورك هو الموزاييك الانساني الذي تحمله كل قاطرة، التنوع العرقي البادي على ملامح الوجوه قد يكون هو اللافت للوهلة الأولى، لكن سرعان ما تأسرك الهواجس البادية على وجوه واجمة وأخرى لاهثة وغيرها تشع ببريق الفراغ وسواها غارقة في متوالية فواتير الحياة المدنية و وهناك وجوه عازمة على تحقيق غاية ما وأخرى واثقة من أن الكون لن يدور سوى في خلدها و غيرها تعي أنها لم تخلق سوى لتراكم الخسارات.
وكأن كل وجه من وجوه قاطرة المترو هو ممثل لمجموعة بشرية ما في برلمان إنساني تلقائي ينعقد ويجتمع كل يوم آلاف المرات وبالاتفاق بين ملايين الأعضاء الذين يجتمعون وينفضون في حيزهم المتحرك ناثرين وراءهم غبار الحياة المدنية المتسارعة نحو أفق ما.
أيقونات معمارية
وبمجرد تباطوء القاطرة للوقوف عند المحطة المقبلة يمكنك الإستدلال على المكان من دون معرفة اسم المحطة، المنمنمات المعمارية الفارهة تضج بحقيقة أنك على ضفاف حي ثري، ورسوم والوان الاسطوانات البخاخة توحي بفوضى البؤس والحلم التي تكتنف مبدعيها، أمام بريق الجدران والأرصفة المؤطرة بالألمنيوم الذي لا ينضب وهجه، تُعزز فكرة أن أصحاب المال لن يلتفتوا سوى إلى تمهيد كل شيء لضمان سلاسة أعمالهم.