ملتقى دبي يثري تجربة الشعر الشعبي في الإمارات ويمنحها بعداً خليجياً
في تاريخ February 15, 2008
فاجأ سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي مساء أمس الأول جمهور ملتقى دبي للشعر الشعبي حين أطل على المسرح مبتسماً من بوابة تعلوها البراجيل.. ووسط دهشة الحضور وتصفيقهم قال سموه إنهم طالبوه بتقديم الشاعرين، لكنهما لا يحتاجان إلى ذلك وهما يقدمان نفسيهما أحسن تقديم..
ومن ثم فتح لهما بوابة المسرح في مشهد مسرحي تلقائي مؤثر منح حفل ختام الملتقى أجواء مغايرة، وممهداً خير تمهيد للأمسية الكبرى التي أحياها سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ ناصر بن حمد بن عيسى آل خليفة في قاعة راشد في مركز دبي التجاري العالمي بدبي بحضور سمو الشيخ مايد بن محمد بن راشد آل مكتوم، وسمو الشيخ سعيد بن محمد بن راشد آل مكتوم، وسمو الشيخ محمد بن مكتوم بن راشد آل مكتوم، وسمو الشيخ زايد بن حمدان بن زايد آل نهيان، وعدد من أصحاب المعالي والمسؤولين والشعراء والإعلاميين والضيوف وحشد هائل من الجماهير.
بين المديح والفخر: تبادل الشاعران إلقاء القصائد بين المديح والفخر، آخذين من محبتهما للوطن وقيادته عذب الألفاظ وأجزلها، ومن إعجابهما بتجارب الكبار قوة المفردات وأبلغها، متكئين على ما تعلماه من بحور الشعر وما اختاراه من موسيقاها، مهتدين بديننا الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا، معززين تفاؤلهما ونظرتهما للبلاد وأهلها كما يؤكد سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد في مقاطع من قصيدة «دوله بأهاليها» المهداة إلى مقام والده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
يا خالق الكون وابْعَاد الفضا حوله
يا عالِم الجَهْر والنجوى وخافيها
ياللّي بأمْرَه مزون الوَدْق ونْزوله
من جود غيثه هشيم الأرض محييها
تعِيْن عَبْدٍ من الأيّام محصوله
غفران ذنبه وْنَفْس لك يزَكِّيْها
يمشي مَعَ الوقت والخطوات مجهوله
إلى دروبٍ أحاسيسه تمشِّيْها
جوامح أفكاره اللّي تَتْعِبْ خْيوله
فيض المشاعر إذا نادت يلبِّيْها
والكاعِب اللّي يلِفّ القلب مَيْدوله
رَبّي مزاياه في عْيوني محَلِّيها
لا مَر زوله جميع الناس فَزّوا له
ولْيَا جَلَسْ وقْفَت الدنيا على يْدَيْها
لا شفت عَرْضَه شِلَوْن انصَبّ في طوله
أشوف مستقبلي اللّي رايح فيها
سبحان رَبّي خَلَقْه وعَدَّد فْصوله
كَنّ السَّحايب تَحَتْ عينه يرَسِّيْها
أعضاه من بَعْضَها ما هي بْمَسؤوله
لكل طامِحْ على الدنيا وأهاليها
وتجلى حب الوطن بالساهرين عليه وفرحة الشعب بقيادته لهذا الوطن في كثير من قصائد سمو الشيخ الشاعر أحمد بن محمد، أكان ذلك في مدحه لوالده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أو لولي عهد دبي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، الذي تفرح به دبي وتغني له طرباً وتتجلى باسمه ويعلو حظها به فوق هامات الشموخ كما يتجلى ذلك بوضوح في قصيدة «فزاع.. فزاع » التي يقول فيها:
يا دبي حظّك فوق هامات الشموخ العاليه علاّ وطار
هلّت على جوّك مخايل بالفرح كل الجهات وعمّته
يا دبي غنّي له طرب وتجمّلي باسمه مع كل افتخار
دامه شموخ المجد مهما طال صرحه تحت رجله قمّته
بصمة فعوله فجّرت معنى الوفا كالشمس في وضح النهار
قوّة طموحه والإرادة مثل ريعان الشباب وزمّته
وفي تناغم وتنافس خفي وحميم تبادل الشاعران مواضيع المديح والفخر في تنوع جميل يربط تارة بين الأمجاد والفضائل الكريمة وأصحابها، وتارة أخرى بين تلك الفضائل والأخلاق الحميدة التي تعلماها وشرباها من منابع الأهل.. فيصير الشعر بدونهما دون قيمة، وحين يكتبان يكون موضوعهما كما يقول الشيخ ناصر بن محمد آل خليفة في مقاطع من قصيدة «المليك المفدى» التي يمدح فيها والده ويفتخر به، ويقدم له الطاعة ويطلب رضاه ولو طلب عمره.
لو يطلب العمر جاك العمر منساقٍ
وأبشر وأخذني وأنا درعق من دروعك
وإن لاح لي في السما الأمجاد برّاقٍ
ماهوب منّي ولكن طيب مصنوعك
وش خانت الشعر لو ما يلمس أوراقي
ويقول سم يا (ناصر) وش موضوعك؟
ووش خانته لاغذت به هقوة الهاقي
أنا أشهد إنّه خساره يسكن ضلوعك
وسلام ياللّي مثل شمس الضحى باقي
في عيون ربعك وتشهد فعلك ربوعك
عليك كن القصيد يْسابق أشواقي
يفز لاجلك وطلعه يشبه طلوعك
غزليات رشيقة
لم تتوقف مشاركة الشاعرين في الأمسية الكبرى على الفخر والمديح وحسب، بل تطرقت إلى مواضيع وطنية وإنسانية عامة ووجدانية خاصة... وتجليا في طرح قصائد غزلية تتماوج بين الصريح والعفيف، عميقة الإحساس بمفردات بسيطة تنتح دلالاتها ومعانيها من الواقع المعاش، وتستقي مواقفها الطريفة وحياءها من البيئة الإماراتية خاصة والخليجية عامة، تتابع جميل الخد والعين والقد، والحركات اللافتة للملامح الساحرة...
وترصد الصد والقبول والشوق والفراق... وتتوزع بين قصائد مغناة تمنح للغزل رشاقة خاصة عبر متنوعة عذبة تأخذ من البحور خفيفها ومن الحب أصدق معانيه.. وهل يعجز الشعر عن فعل ذلك ؟ الشاعر الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة في قصيدته «يعز الشعر» يجيبنا عن هذا السؤال:
قالوا إنك تحب وقلت ليه السؤال؟
كل شخصٍ يحب وْكل شخصٍ يميل
والهوى ديرة ما بين صد ووصال
دوم فيها نزول ودوم فيها رحيل
ياعرب والقلوب أشوفها بْألف حال
بين قلبٍ جريح وْبين قلبٍ قتيل
والا أنا لو باحب أحب بنت الخيال
نادرة ما لها بالناس شبه وْمثيل
فاتنة ناعمة فيها هدوء وْدلال
حاوية كل زين وْكل طبْعٍ أصيل
من يعرف الجمال يْقول هيّ الجمال
وصفها في قصيدي يشبه المستحيل
كن في وجهها صبح ضحك لي وقال
يا صباح المحبة من خليل لخليل
وكن في عينها رمش ينادي تعال
واعذابي من الرمش الكسول الكحيل
شعرها ليل أسود فيه صمت وْجدال
إن تحرَّك يضيع الصبح بأطراف ليل
إن تناثر جديله من يمين وْشمال
ضمّني في بياض الصدر تحت الجديل
والشفايف مثل جمر يزيد اشتعال
ودِّي أضمّ جَمْره لين أشبّ الفتيل
إن مشت كنَّها غصن مع الريح مال
هزَّه الشوق من فوق خصرٍ نحيل
كن فيها رسوخ علّمته الجبال
وكن فيها شموخٍ علّمته النخيل
الشاعر أحمد بن محمد عبر لغة رشيقة وموسيقى ساحرة يتغنى بجمال المحبوبة، ولا يتوقف غوله على الرمش الكحيل والخصر النحيل، بل يرى بسنا خدها نوراً لليل وفي نفح ثغرها رائحة الهيل وفي لهب وجنتها ويل الويل..وأمام هذا الكل المتكامل يموت ويحترق.. يرتعد ويتزلزل.. فيبوح شعراً عذباً في مفارقات لغوية.. ليل ونور.. ترياق وسم.. لهب وبرد.. في أجواء ساحرة نلامسها بشفافية عبر قصيدته «سنا خدك» التي يقول فيها:
اكشف سنا خدّك ونوّر به الليل
وغطّ بْظلام الليل خصر معزّل
وابسم بثغر نسمته نفحة الهيل
فيه البَرَد من ردم سحبه منزّل
لون اللهب في وجنتك ويل والويل
لا من حرقني قمت فيك اتغزّل
نعس العيون اللي هدبها مظاليل
أموت فيها وارتعد واتزلزل
دايم من رهاف الشفايف مباليل
ترياق سَمّ الشوق منها تبزّل
وجسم حرير بْنفحة الناسم يْميل
تْجاوبه الأطراف لامن تخزَّل
ماخذ من الإعجاب جمله وتفصيل
واحلف بربّي والكتاب المنزَّل
يا غايتي ومناي وْكل المحاصيل
قلبي على شأنك عن الغيد عَزّل
جيتك على غفلة وْوقعت فْـ محابيل
ورميتني يوم أكثر الناس عزّل
والوصل منّك نبت زهر الأكاليل
من يدك مفروش وتناثر على الزَّل
أهواك وامشي لك بعطفِ وتبجيل
والاّ لغيرك.. لا حشاما اتنزَّل
ما دام خدّك صبح شارق بعد ليل
طالبك تحرق لاجل فيك اتغزّل
حضور لافت
إن المتابع لملتقى دبي للشعر الشعبي الذي تنظمه دائرة السياحة والتسويق التجاري كل عام ضمن فعاليات مهرجان دبي للتسوق، سيرى هذا التواصل الجماهيري بين الشعراء ومحبيهم، ليس في هذا الكم الهائل من الحضور الذي يصل للآلاف وحسب، بل من خلال المتابعة الحديثة للشعراء وأعمالهم والجديد من إصدارهم من جهة.
ومن خلال هذا التناغم اللافت معهم خلال الأمسيات من جهة ثانية، فالجمهور يدرك البحور ويصغي لموسيقاها بدقة، ويتابع دلالات المفردة ويفرق بين وقعها عند شاعر وآخر.. ويتابع بعناية الهفوات والسقطات كما يتابع لحظات النسيان التي قد تحدث لشاعر وآخر ويساعده بالتصفيق له كما يصفق له عند تألقه وتقديمه صورة مميزة أو مفارقة ساحرة أو عبارة جزلة..
ولم يتوقف هذا الحضور اللافت على الشعراء والجماهير، بل أيضاً على ملتقى دبي كظاهرة تثري التجارب الشعرية الشابة في الإمارات عبر التواصل والتحاور فيما بينها من جهة، وفيما بينها والتجارب الخليجية من جهة ثانية، مجسدة تنافساً بناء يطور المنتج الشعري ويواكب الحراك الثقافي، ويسلط الضوء على البراعم الجديدة عبر تأصيل للقديم يؤسس ذاكرة للمستقبل.